الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
206
مناهل العرفان في علوم القرآن
وكان القرآن في حملته عليهم وعلى أمثالهم بالقول ، بعيدا عن كل معاني السباب والإقذاع ، متذرعا بالحكمة والأدب الكامل في الإرشاد والإقناع ، حاثّا على الصبر والعفو والإحسان ، حتى ليخاطب اللّه رسوله في سورة الأنعام المكيّة بقوله : « وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ . وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ . إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ . وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ » . ظاهرة مسكتة على أننا نلاحظ في آفاق الآيات والسور المكية ، ظاهرة باهرة ، تسكت كل معاند ، وتفحم كل مكابر في هذا الموضوع . وهي أن القسم المكي خلا خلوّا تاما من تشريع القتال والجهاد والمخاشنة ، كما خلت أيامه في مكة على طولها من مقاتلة القوم بمثل ما يأتون من التنكيل والمصاولة ؛ فلم يسمع للمسلمين فيها صلصلة لسيف ، ولا قعقعة لسلاح ، ولا زحف على عدو . إنما هو الصبر والعفو والمجاملة والمحاسنة ، بالرغم من إيغال الأعداء في أذاهم ، ولجاجهم في عتوّهم وأساهم ، سبّا وطعنا ، وقتلا ونهبا ، ومقاطعة ومهاترة ، ومصاولة ومكابرة . ( 3 ) - وأما زعمهم أن القسم المكي يمتاز بكل مميّزات الأوساط المنحطّة فهو مردود عليهم ، باطل من كل باب دخلوه ، وعلى أي وجه أرادوه ؛ لأنهم إن أرادوا بذلك ما توهموه من انفراده بالشدة والعنف ، أو السباب والإقذاع ، فقد علمت مبلغ